حسن بن موسى القادري
74
شرح حكم الشيخ الأكبر
ومن فرح بها من حيث شهودها من المنعم ، وممن وصل إيّاها فهو من الموقنين القائمين بالشريعة دون الحقيقة لمشاهدة نسبة الخلق ، فهو ممن يوجه إليه قوله تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] أي : من كلّ شيء حتى عن عباداتهم وأحوالاتهم ومقاماتهم ، ومن فرح في النعمة باللّه من حيث كمال ذاته ، وتقدس أسمائه ، وجلال صفاته ، وكمال أفعاله من غير اشتغاله بالمتعة أي : متعة النعمة ولا بباطنها من أنعام المنعم ، فهو ليس من الغافلين ، ولا من الذّاكرين الذين شغلهم الإنعام عن المنعم ، بل هو مشاهد له لا يشهد إلا إيّاه ، ولو كلف مشاهدة غير المنعم ما أطاقه لاستغراقه في شهود اللّه تعالى وانجماع سره عليه ، فهو الذي صدق عليه قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] أي : قل ، واذكر اللّه ، وعول عليه ، واكتفي به عن كلّ شيء سواه ، ثم اتركهم في خوضهم يعلبون أي : يتشاغلون بما لا حقيقة له ؛ لأنه معنى اللعب والوجود كله كذلك من حيث التحقيق قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل « 1 » » . والمصراع الثاني هو : وكل نعيم لا محالة زائل وإن كان صادقا ، لكن المصراع الأول أصدق ، فالمقصود التام وما هو بساط المعرفة تزكية النفس وتطهيرها من جميع العيوب ، والعيوب : كل ما أوجب نقصا معصية أو غير في الأفعال أو الأخلاق أو الآداب مع اللّه أو مع خلقه ، فإذا عرفت ما تقرر فكل ما وافق هواك يبعدك عن مولاك فالمطلوب منك مخالفة هواك ؛ إذ لا منازع ينازع مع الحق إلا الهوى ، كما ورد في بعض الأخبار . 5 - عطايا اللّه إن أرددت الأمور كلها إليه : استرحت من منازعات كثيرة . والنّزاع ليس إلا من نسبة الأمور إلى ما سواه ، فإن نسبت الأمور إلى الغير فتتعب في المنازعة مع الحق والخلق ( وإن أرددت الأمور كلها إليه ) بأن أرجعت الأمور جميعا مما هو منسوب إليك ، أو إلى غيرك ، ومما هو لك أو عليك أو لغيرك أو على غيرك إلى الحق تعالى ، وترى أنه الفاعل لكلّ شيء ، والمعطي لكلّ شيء ، والمانع لكلّ شيء ( استرحت من منازعات كثيرة ) لا تعد ولا تحصى ؛ لأنك تشهد جريان القدرة في الأشياء كلها
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1935 ) ، مسلم ( 4 / 1768 ) ، والترمذي ( 5 / 140 ) ، وأحمد ( 2 / 248 ) .